حسن أحمد

الانتظار غربة المقيم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيل

شاطر | 
 

 بوصلة الوحدة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن أحمد
Admin


المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 31/07/2018

مُساهمةموضوع: بوصلة الوحدة    الإثنين أغسطس 13, 2018 5:03 am


أن تشعر بالوحدة بعد منتصف الليل فهذا شعور طبيعي بعض الشيء، لكن أن تكون وحيداً في وقت الذروة الاجتماعية، عاجزاً عن إيجاد من تتحدث إليه، رغم حاجتك العميقة للوجود البشري في حياتك في لحظة معينة، فهذا النوع من الوحدة يدق الجرس في داخلك بقوة ويوقظ كل حواسك ليخبرك برصيدك من العلاقات الحقيقية، العلاقات التي لا تعتادها بسبب ظروف عملك أو سكنك أو اقربائك أو حتى شركاء هواياتك وأنشطتك. بعض الناس يتقبل الأمر وربما يتوقعه، ولكن هناك من يصاب بالصدمة عندما يشعر أن القائمة الطويلة من الأسماء ليست مؤهلة ولا مخولة لسماع ما يضج به صدره من كلامٍ شفاف حول حقيقته ومخاوفه وأحلامه، والتي قد يراها البعض سخيفة ويراها البعض الآخر عقد نفسية ينبغي مسايرة صاحبها والابتعاد عنه بالتدريج أو تجاهل كلامه وتغيير دفة الحديث في أقل الحالات السطحية ضرراً وأكثرها شيوعاً. أن تمشي بين الناس تبتسم وتتأمل الوجوه والزحام وتتذكر ما تخبئه ذاتك فتصاب بنوبة من الاضطراب بين البقاء خارجك أو الولوج لأعماقك أو الاستمرار في حالة ضبابية غير متزنة تسمع فيها كل الأصوات وترى فيها كل الوجوه، ولكنك لا تتخذ موقفاً ولا تميل لجانب، فقط تداوم عمل اللاشيء في اللا زمن. إن الوحدة شيء مفزع عندما لا تعود تحتمل قلقك العميق، عندما تحتاج لمشاركة مخاوفك الجريئة، عندما تغلب عليك رغبة الاستسلام، ولكن حتى الاستسلام ليس له وجود في داخلك، إما بقاء الخوف أو تشريحه وتفتيته حتى يتلاشى، سواءً قدرت على ذلك بمفردك أو حظيت بالمساعدة. لكن الوحدة تكون مفزعة أكثر عندما تكون شخص اجتماعي، لديك أسرة وأصدقاء وزملاء ...، في لحظة معينة تشعر بالفراغ الكبير من كل هؤلاء، ليس لأنهم مزيفين، ولكن لأن لكل علاقة مساحة ولكل مساحة حدود، وحتى لو تحدثت معهم ورغبوا في الاستماع والمساعدة فلن يستطيعوا، بكل بساطة لأن علاقتهم فيك لم تبلغ الآفاق التي تحدثهم عنها. وحدها الأزمات التي تنبعث من أعماقك تبوح لك بمساحة الآخرين، وقد تتفاجأ ببعد قريب وقرب بعيد، وتتفاجأ أكثر أنك لست سلطان كيانك، ولا تعرف كل مكنوناتك، ولا هويّاتك المتخفية والتي قد تنكر بعضها، وهذا النكران لا يغير من الحقيقة شيء. تظل الوحدة من الأمور التي يصعب التنبؤ بحلولها في حياتنا وما هو الشكل الذي تتخذه في كل مرة، وعن ماذا ستكشف لنا من كيانات داخلنا وأسرار جديدة، إضافة إلى علاقتها بمحيطنا البشري، الذي تعرفه هي أكثر منا، مهما ادعينا العكس ومهما حاولنا اثباته.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بوصلة الوحدة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حسن أحمد :: الرئيسية :: نصوص نثرية-
انتقل الى: