حسن أحمد

الانتظار غربة المقيم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيل

شاطر | 
 

 ميتة القاع

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن أحمد
Admin


المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 31/07/2018

مُساهمةموضوع: ميتة القاع    الإثنين أغسطس 13, 2018 5:00 am


التوقف عن البكاء والضحك تجاه كل شيء يعني أنك في قاع الإكتئاب. القاع الخام المنفلت من الأزمنة والأمكنة السرمدية، القاع النائي عن كل شعور وعن كل تجربة جماعية أو فردية للبشرية. الصدمة المباغتة أقرب شعور له، كبرقٍ شديد الإندفاع نحو التلاشي. يكمن التعقيد أن لا شيء يشي ولو بذرة من رمله أو لمعة من صفاه، وقد لا يكون به رمل أو صفا! تنام بضميرٍ مسالم، تأكل بعشوائية، تلهو بالهاتف المحمول، متنقلاً بين كل الأشياء التي لا تحبها، ولا تدري لماذا تفعل ذلك، ولا تقوم بسؤال نفسك حتى، فقط تبحر في الخواء بكل ما فيه من قشور وبثور، لا تشمئز ولا تنفر، ولا حتى يكون لك ردود فعل، فقط تواصل ما تقوم به من التجوال في ذات المواقع والتطبيقات كل يوم، ثم تخلد للنوم مجدداً، حتى لو كان مدينة من دخلاء أو أشباح. كل ما توقن به أنك لا تهرب من شيء، وأنك لا تحاول تزجية الوقت الصعب. "هذا الوقت سوف يمضي" تلك الحكمة الهندية لم تعد تمر ببالك، فقد بلغت مرحلة لم تعد تذكر أين كنت ولماذا أنت هنا وإلى أين تمضي! حتى أنك لا تشغل بالك بهذه التفاصيل، تشعر أن هذه حياتك وأنك لا تعرف غيرها ولا تجيد سواها. لديك ضمير، لكنه لا يطلب منك شيء. لديك عائلة ومهام ومواعيد والتزامات، لكنك، وقد فقدت الإحساس بكل شيء في ذلك القاع الرهيب، لا ترى سبباً يدفعك للقاء أقرب الناس إليك أو القيام بأيٍ من الواجبات المنوطة بك تجاه نفسك أو محيطك. أنت لم تعد تنكر ما أنت عليه، لأنك ببساطة لا تعرف بالتحديد ما أنت عليه، وهل هو جيد أم لا! القاع رحِمٌ تقضي فيه حياتك بلا حبلٍ سري ولا تباشير ولادة، عالمٌ سفلي عقيدته اللاشيء المطلق، ودستوره الروتين الصارم. مخيفة تلك الملامح التي لا تعطي انطباعاً ولا تحاول افتعال التفاعل حتى. الملامح التي نلتقيها هادئة وطبيعية جداً بعد غيابٍ طويل يضج بالتفاصيل، الملامح الباردة على شفير الجحيم، الملامح التي تتوضأ بالأشلاء ولا تذرف دمعة يتيمة، الملامح التي ترى في المطر طقساً طبيعياً لا يستحق طقوس الابتهاج والصلاة، الملامح التي لا ترى في الأعراس صخباً كما لا ترى فيه بسمة تلفت انتباه صدى! الملامح الخالية من الطفولة والشيخوخة، المنحازة للفراغ الكلي. عندما تنسى آخر مرة رأيت فيها وجهك في المرءآة، حين كان لك وجه، آخرة مرة شذّبت فيها لحيتك، قلّمت أظافرك، قصصت شعرك ..، عندما تحك قدمك وتدمي جلدك بظفرك، وتتأمل ببرود ظفرك اليافع، الذي لم يسبق لك أن رأيته بهذا الطول الفارع، تتفحّصه كمولودك الأول بتركيزٍ شديد، لكن بدون مشاعر محددة، بدون مشاعر البتة، تمسح الدم عن قدمك وتقص أظافرك بفعل الضرورة لا بفعل الفطرة والنظافة والتجديد، كل هذه المفردات عديمة المعنى في قاموس القاع. عندما تشعر بالوهن في روحك وجسدك المتصلب، لكنك لا تشعر ولا تدرك بأن هناك شيئاً ما بحاجة للمعالجة أو التفكير أو التغيير، فقط تستمر في تحمل الوجع حتى يصبح جزءاً من عقيدتك ودستورك الذي لن تتذكر سواه مع مرور الوقت. ستموت الرغبة في العودة للوراء الحي، ستتلاشى دوافع البقاء لتحقيق الذات، كل ذلك سيصبح نسياً منسيا. أنت المُحصَّن بسنن القاع الكونية، ستموت دون أن يعرف أحداً سواك من أنت وكيف قضيت حياتك وكيف كانت سنوات احتضارك، ستموت دون أن تُسمع كلماتك الأخيرة، دون أن يشيّعك أحد، فللقاع طقوسه الصارمة حتى في الموت! سيقف الغرباء على قبرك البارد، الشبيه بحياة ملامحك، ويقولون: كان شديد الهدوء.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ميتة القاع
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حسن أحمد :: الرئيسية :: نصوص نثرية-
انتقل الى: